IndeksFAQPencarianAnggotaGroupPendaftaranLogin

Share | 
 

 بيانُ أنَّ الله مُنَزَّهٌ عن الحَدِّ والتَّحَيُّزِ والمشابهة

Topik sebelumnya Topik selanjutnya Go down 
PengirimMessage
Admin
Admin


Jumlah posting : 242
Join date : 16.08.10

PostSubyek: بيانُ أنَّ الله مُنَزَّهٌ عن الحَدِّ والتَّحَيُّزِ والمشابهة   Tue Aug 24, 2010 3:57 am

قال الله تعالى (( ليس كَمِثْلهِ شيءٌ وهو السَّمِيعُ البصير ))[الشُّورَى/11]..

فالله ذاتٌ مَوْصُوفٌ بصفاتٍ تَدُلُّ كلُّها على الكمال ، كالوَحْدَانِيَّةِ والسَّمْعِ والبَصَرِ والكلامِ والحياةِ والمشيئة ، مُنَزَّهٌ عن الصِّفَاتِ التي لا تَلِيقُ بهِ كالصَّمَمِ والعَمَى والبَكَمِ والموتِ والعَجْزِ والتَّغَيُّر . فالله تعالى شيءٌ لا يشبهُ الأشياء . نعم ، الله تعالى شيء ، أي مَوْجُودٌ ، ولكنَّه لا يشبهُ الأشياء ، أي لا يشبهُ الموجودات .

قال الله تعالى (( قُلْ أَيُّ شيءٍ أكبرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ شهيدٌ بيني وبينَكم ))[الأنعام/19]..

معناهُ : قُلْ يا مُحَمَّدُ لهؤلاء المشركينَ الذينَ يُكَذِّبُونَكَ أيُّ شيء أعظمُ شهادةً وأكبر . ثمَّ أخبرْهم ، يا محمَّد ، بأنَّ الله هو أكبرُ الأشياء شهادةً لأنَّه لا يجوزُ أنْ يقعَ في شهادتهِ ما يجوزُ أنْ يقعَ في شهادةِ غيرِه من السَّهْوِ والخَطَإ والغَلَطِ والكَذِب . . ثمَّ قُلْ لهم إنَّ الذي هو أكبرُ الأشياء شهادةً شهيدٌ بيني وبينَكم بالْمُحِقِّ مِنَّا من الْمُبْطِلِ والرَّشيدِ منَّا في فعلهِ وقولهِ من السَّفيهِ وقد رَضِينَا بهِ حَكَمًا بينَنا .

قَوْلُ أهلِ الحَقِّ :" إنَّ الله شيءٌ " معناهُ مَوْجُودٌ . اعلموا هذا . واعلموا أَنَّ الله لا بدايةَ لوجوده . وعندما نقول :" إنَّ الله لا بدايةَ لوجوده " لا نعني بذلك أنَّ وُجُودَهُ مقترنٌ بالزَّمانِ وأنَّ الزَّمانَ لا بدايةَ له . بل نعني أنَّ الله مَوْجُودٌ غيرُ مخلوق . وهو معنى قول العلماء :" إنَّ الله أزليٌّ قديم " .

.

قولُ العلماء :" إنَّ الله أزليٌّ قديم " معناهُ مَوْجُودٌ غيرُ مخلوق . أمَّا الزَّمانُ فهو مخلوقٌ لله ، لم يَكُنْ ثمَّ كانَ . فقبلَ أَنْ يخلقَ اللهُ العالمَ لم يَكُنْ زمانٌ ولا مكان . قبلَ أَنْ يخلقَ الله العالمَ كانَ الله ولم يَكُنْ شيءٌ قبلَه . قبلَ أَنْ يخلقَ الله العالمَ كانَ الله وَحْدَهُ ولم يَكُنْ شيءٌ غيرُه . قبلَ أَنْ يخلقَ اللهُ العالمَ كانَ الله وَحْدَهُ ولم يَكُنْ مَعَهُ شيءٌ : لا زَمانٌ ولا فضاءٌ ولا فراغٌ ولا إنسٌ ولا جنٌّ ولا ملائكةٌ ولا ضَوْءٌ ولا ظلامٌ ولا جهاتٌ ولا أبعادٌ . لم يَكُنْ مكانٌ ولم يَكُنْ زَمانٌ .

.

قبلَ أَنْ يخلقَ اللهُ العالمَ الضَّوْءُ لم يَكُنْ . الله خَلَقَ الضَّوْءَ . والله ليسَ ضَوْءًا . الشَّيْءُ لا يخلقُ نفسَه ولا يخلقُ شبيهَه .

قبلَ أَنْ يخلقَ اللهُ العالمَ الظَّلامُ لم يَكُنْ . الله خَلَقَ الظَّلامَ . والله ليسَ ظلامًا . الشَّيْءُ لا يخلقُ نفسَه ولا يخلقُ شبيهَه .

قبلَ أَنْ يخلقَ اللهُ العالمَ الرُّوحُ لم يَكُنْ . الله خَلَقَ الرُّوحَ . والله ليسَ رُوحًا . الشَّيْءُ لا يخلقُ نفسَه ولا يخلقُ شبيهَه .

قبلَ أَنْ يخلقَ اللهُ العالمَ الماءُ لم يَكُنْ . الله خَلَقَ الماء . والله ليسَ ماءً . الشَّيْءُ لا يخلقُ نفسَه ولا يخلقُ شبيهَه .

قبلَ أَنْ يخلقَ اللهُ العالمَ المادَّةُ لم تَكُنْ . الله خَلَقَ المادَّةَ . والله ليسَ مادَّةً . الشَّيْءُ لا يخلقُ نفسَه ولا يخلقُ شبيهَه .

إنَّ أَوَّلَ شيء خَلَقَهُ اللهُ تعالى الماءُ . إنَّ الله لم يخلقْ شيئًا ممَّا خَلَقَ قبلَ الماء . ولا نعني بالماء هذا الماءَ الذي نحنُ نشربُه في هذه الأرض . وإنما هو الماءُ الذي منه خُلِقَ سائرُ العالم كالعَرْشِ والقلمِ الأعلى واللَّوْحِ المحفوظِ والضَّوْءِ والظَّلامِ والماءِ الذي نحنُ نشربُه في الأرضِ وسائرِ الأجسام الكثيفةِ والأجسامِ اللَّطيفة . فكانَ ذاكَ الماءُ أصلًا لغيرِه . ذاكَ الماءُ هو أصلُ العالم . والله ليسَ أصلًا لغيرِه . بل هو خالقُ الأصلِ والفَرْعِ . ذلكَ الماءُ أصلٌ لغيرِه . والله خَلَقَهُ من غيرِ أصلٍ . ولَمَّا خَلَقَ اللهُ ذلكَ الماءَ خُلِقَ المكانُ . اللهُ خَلَقَهُ .

ولَمَّا خَلَقَ اللهُ ذلكَ الماءَ خُلِقَ الزَّمانُ . الله خَلَقَهُ . بوجودِ الماء الذي هو أصلُ العالم وُجِـدَ الزَّمانُ والمكانُ . وأمَّا قبلَ هذا الماء فلم يَكُنْ زَمانٌ ولم يَكُنْ مكانٌ .

ثَبَتَ في (صحيحِ البُخَارِيِّ) عن رسول الله أنه قال لَمَّا سُئِلَ عن بَدْءِ هذا الأمر :" كان اللهُ ولم يَكُنْ شيءٌ غيرُه " .. وفي روايةٍ عندَه :" كانَ اللهُ ولم يَكُنْ شَيْءٌ قبلَهُ " ..

وثَبَتَ عن رسول الله أنه قال :" إنَّ الله لم يَخْلُقْ شيئًا مِمَّا خَلَقَ قبلَ الماء " .
أَوْرَدَهُ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ على أنه صحيحٌ أو حَسَنٌ عندَه وذلك في[(فتحِ الباري)/كتاب بَدْءِ الخَلْقِ]عندَ ذِكْرِ حديث :" كان اللهُ ولم يَكُنْ شيءٌ غيرُه وكان عرشُه على الماء " .
وكذلك ثَبَتَ عنه ، صلَّى الله عليه وسلَّم ، أنه قال :" كُلُّ شيء خُلِقَ من ماء " ، رواه أحمدُ في (مسندِه) .. ورَوَاهُ الإمامُ ابنُ حِبَّانَ في (صحيحه) وصَحَّحَهُ بلفظ :" إنَّ الله تعالى خَلَقَ كُلَّ شيء من الماء " ..

.

نحنُ نعتقدُ في الله الأَزَلِيَّةَ ونعتقدُ في العالمِ الحُدُوثَ . نحنُ نعتقدُ في الله القِدَمَ ونعتقدُ في العَالَمِ الحُدُوثَ أيْ نعتقدُ في العَالَمِ أنه مخلوقٌ لله كانَ معدومًا والله أبرزهُ من العَدَمِ إلى الوُجُودِ فصارَ مَوْجُودًا مخلوقًا . ونعتقدُ في الله أنه لا بدايةَ لوُجُودِهِ ، أي نعتقدُ أنَّ الله مَوْجُودٌ غيرُ مخلوقٍ لم يَسْبِقْ وُجُودَهُ عَدَمٌ وما سوى الله حادثٌ أي مخلوق .

ومن الكُفْرِ المنافي للإسلام اعتقادُ الحُدُوثِ في الله .. اعتقادُ أنَّ الله لم يَكُنْ ثمَّ كان من الكُفْرِ المنافي للإيمان .. لا يَصِحُّ إسلامٌ مَعَ اعتقادِ أنَّ الله سَبَقَ وُجُودَهُ عَدَمٌ .. وما دامَ في قلبِ العبدِ هذا الاعتقادُ الكُفْرِيُّ فالشَّهادتانِ لا تنفعانِ هذا الكافرَ ولو تلفَّظ بهما ءالافَ المرَّات . وليسَ جَهْلُ هذا الذي اعتقدَ في الله الحُدُوثَ عُذْرًا له يمنعُنا من الحُكْمِ عليه بالكفر . جهلُه بالإسلامِ وبعقيدةِ التنزيه ليسَ عُذْرًا له يمنعُنا من الحُكْمِ عليهِ بالكفر . بل هو غيرُ مسلم ، هو كافرٌ غيرُ مؤمن ، ولو كان جاهلًا بعقيدةِ التنزيه حَتَّى ولو كان جاهلًا بأنه كافر . ولو كانَ يُرَدِّدُ الشَّهَادَتَيْنِ في اليومِ ءالافَ المرَّات . ومن المعلومِ القطعيِّ أنَّ الإنسانَ لا يكونُ مسلمًا لمجرَّد ظنِّهِ بنفسهِ أنه مسلم ، بل لا بُدَّ له من شروط ، أهمُّها أنْ يَخْلُوَ قَلْبُهُ من كُلِّ اعتقادٍ فيهِ نسبةُ النَّقْصِ إلى الله ومن كُلِّ اعتقادٍ كُفْرِيٍّ ءاخَر .

واعلمُوا أنَّ ما يَرِدُ على قلبِ المؤمنِ من دون إرادة منه من الخواطرِ القبيحةِ ممَّا يَكْرَهُهُ لا يُؤَاخَذُ به ولا يُكْتَبُ عليه من تلكَ الخواطرِ شيء . بل للمؤمنِ ثوابٌ بكراهيتهِ للخاطرِ الخبيث .

رَوَى الإمامُ أحمدُ في[(المسند)/كتاب باقي مسند المكثرين]عن أبي هُرَيرَةَ عن رسول الله ، صلَّى الله عليه وسلَّم ، أنه قال :" يأتي الشَّيْطَانُ أحدَكم فيقول : مَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ ؟؟، فيقولُ المؤمنُ : الله .. فيقول الشَّيْطَانُ : مَنْ خَلَقَ الأرضَ ؟؟، فيقولُ المؤمنُ : الله .. فيقول الشَّيْطَانُ : مَنْ خَلَقَ اللهَ ؟؟. فَمَنْ وَجَدَ من ذلكَ شيئًا فليقلْ ءامنتُ بالله ورَسُولهِ "

ورَوَى مثلَه مسلمٌ في[(صحيحه)/كتاب الإيمان]، والبُخَارِيُّ في[(صحيحه)/كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّـنَّة]..

ومعنى الحديثِ أَنَّ المؤمنَ يجبُ عليه أَنْ يَثْبُتَ على اعتقادِ أنَّ الله أزليٌّ قديمٌ لا بدايةَ لوُجُودِه . معنى الحديث أنَّ المؤمنَ يجبُ عليه أنْ يَثْبُتَ على اعتقادِ أنَّ الله مَوْجُودٌ غيرُ مخلوق لم يَسْبِقْ وُجُودَهُ عَدَمٌ . وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنه لا يَصِحُّ أَنْ يُسْأَلَ عن الله تعالى بـ(((متى كان ؟؟))) . لأنه سؤالٌ يَتَضَمَّنُ كُفْـرًا وخروجًا عن حكمِ العقل .

ورَوَى الإمامُ مسلمٌ أيضًا في (صحيحه) عن أبي هُرَيْرَةَ أنه قال :" جاء أناسٌ من أصحاب النبيِّ ، صلَّى الله عليه وسلَّم ، فقالوا له : إنَّنا نجدُ في أنفسنا ما يَتَعَاظَمُ أَحَدُنا أَنْ يَتَكَلَّمَ به _ أَيْ من وَسْوَسَاتِ الشَّيْطَانِ وخواطرِه _ .. فقال عليه الصَّلاة والسَّلام : وقد وَجَدْتُمُوهُ ؟؟.. قالوا : نعم .. قال : ذاكَ صريحُ الإيمان " .

يعني أنَّ كَرَاهِيَةَ هذه الخواطرِ الخبيثةِ علامةُ الإيمان . وأَمَّا الشَّكُّ في وُجُودِ الله أو قِدَمهِ أو مخالفتهِ للمخلوقاتِ فهو كُفْرٌ مخرجٌ من دينِ الإسلام .

الإنسان يجبُ عليه أنْ يَجْزِمَ بأنَّ الله أزليٌّ قديمٌ أيْ مَوْجُودٌ غيرُ مخلوقٍ وبأنه لا يشبهُ العالمَ بوجهٍ من الوُجُوه . أمَّا إذا شَكَّ في الله هل هو قديمٌ لا بدايةَ لوجودِه أم لا ؟؟. هل لله شبيهٌ أم لا ؟؟. فإنه كافـرٌ غير مسلم . وكافرٌ مَنْ لم يعتبرْه كافرًا .

قال الله تعالى (( أفي الله شَكٌّ ))[إبراهيم/10]. معناهُ ليسَ لَكُمْ أنْ تَشُكُّوا في وُجُودِ الله ..

وقال الله تعالى (( إنَّما المؤمنونَ الذينَ ءامنوا بالله ورَسُولهِ ثمَّ لم يَرتابوا ))[الحُجُرات/15].

فأعلمَنا بقولهِ (( ثمَّ لم يرتابوا )) أنَّ الإيمانَ لا يَصِحُّ مَعَ الارتياب ، أي الشَّكِّ ، أَيْ لا بُدَّ من الجَزْمِ ، فما دامَ العبدُ جازِمًا غيرَ شاكٍّ كارهًا للكُفْرِ فلا تَضُرُّهُ خواطرُ الكُفْرِ التي تطرأُ على قلبهِ من دون إرادته .

كُلُّ الخواطرِ التي تُؤَدِّي إلى جعلِ الله تعالى ذا مقدارٍ وشكلٍ وهيئةٍ يجبُ أَنْ تُنْـبَذَ وتُطْرَدَ . المؤمنُ إذا عَصَفَتْ به هذه الخواطرُ فلْيَشْغَلْ نَفْسَهُ بغيرِها ولا يَتَتَبَّعْهَا .

قال رسولُ الله ، صلَّى الله عليه وسلَّم ، في الحديثِ الذي رَوَاهُ عنهُ أبو القاسمِ الأنصاريُّ :" لا فِكْرَةَ في الرَّبِّ " . معناهُ : الله تعالى لا يُدْرِكُهُ الوَهْمُ ، وذلك لأنَّ الوَهْمَ يُدرِكُ الأشياءَ التي أَلِـفَهَا أو التي هي من جنسِ ما أَلِـفَهُ كالإنسانِ والغَمَامِ والْمَطَرِ والشَّجَرِ والضَّوْءِ والظَّلامِ والرِّيحِ والظِّلِّ ونحوِ ذلك . والإنسانُ يستطيعُ أنْ يَتَصَوَّرَ الأشياءَ المخلوقةَ التي رءاها والتي لم يَرَها وأمَّا الله فلا تُدرِكُهُ تَصَوُّراتُ العبادِ وأوهامُهم .

قال إمامُ الحَرَمَيْنِ أبو المعالي عبدُ الْمَلِكِ الجوينيُّ ، الْمُتَوَفَّى سَنَةَ ثمانيةٍ وسبعينَ وأَرْبَعِمِائَةٍ للهجرة ، في كتابه[(الإرشاد)/ص58]ما نصُّه :" مذهبُ أهلِ الحَقِّ قاطبةً أنَّ الله يتعالى عن التَّحَيُّزِ والتَّخَصُّصِ بالْجِهَاتِ "ا.هـ.

والإمامُ أبو القاسم الأنصاريُّ النيسابوريُّ شَرَحَ كتابَ (الإرشاد) لإمامِ الحَرَمَيْنِ الجُوَيْنِيِّ .

فإذا عدنا إلى[(شرحِ إرشادِ الجُوَيْنِيِّ)/ق/58-59]لأبي القاسم الأنصاريِّ ، وهو من المصادر المخطوطة//المحموديَّة// المدينة المنوَّرة//لوجدنا فيه ، بعدَ كلامٍ في الاستدلالِ على نفي التَّحَيُّزِ في الجهةِ عن الله تعالى ، ما نصُّه :" وقد قيلَ في قولهِ تعالى (( وأنَّ إلى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى ))[النجم/42]إليه انتهَى فِكْرُ مَنْ تَفَكَّرَ . هذا قولُ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ وعبدِ الرَّحْمٰنِ بنِ أَنعُم . ورَوَى أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم :" لا فِكْرَةَ في الرَّبِّ " . ورَوَى أَنَسٌ عن رسول الله أنه قال :" إذا ذُكِرَ اللهُ تعالى فانتهُوا " ، وقال :" تَفَكَّرُوا في الخَلْقِ ولا تتَفَكَّرُوا في الخالق " .. "ا.هـ.. ..

وأُبَيُّ بنُ كَعْبٍ هو من مشاهير الصَّحابة .. ..

ورَوَى البيهقيُّ في[(الأسماء والصِّفات)/ص420]بإسنادٍ صحيحٍ عن عبدِ الله بنِ عَبَّاسٍ أنه قال :" تَفَكَّرُوا في كُلِّ شيء ولا تَفَكَّرُوا في ذاتِ الله " .. أي ولا تَتَفَكَّرُوا في ذاتِ الله .. أي لا تَتَفَكَّرُوا في حقيقته ..
وليسَ من التَّفَكُّرِ في ذاتِ الله تنـزيهُه عن الحُدُوثِ ومشابهةِ المخلوقات . ليسَ من التَّفَكُّرِ في ذاتِ الله تنـزيهُه عن الحَدِّ والتَّحَيُّزِ في الأماكنِ والْجِهَاتِ . ليسَ من التَّفَكُّرِ في ذاتِ الله تنـزيهُه عن الشَّكْلِ والصُّورَةِ والكيفيَّة . بل تنـزيهُ الله عن الشَّكْلِ والصُّورَةِ والكيفيَّة واجبٌ علينا معرفتُه . فَرْضٌ علينا أَنْ نَتَعَلَّمَه ، وذلكَ عملًا بقولِ الله تعالى (( ليسَ كَمِثْلهِ شيء )) ، وعَمَلًا بقول الله تعالى (( سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأعلى ))[الأعلى/1]. قولُ الله (( سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأعلى )) معناهُ نَزِّهْ ذاتَ رَبِّكَ . وعَمَلًا بحديثِ رسولِ الله :" طَلَبُ العِلْمِ فريضةٌ على كُلِّ مسلم " ، وعَمَلًا بقولِ الإمام الأكبرِ أبي الحَسَنِ الأشعريِّ :" أَوَّلُ ما يجبُ على العبدِ العِلْمُ بالله ورَسُولهِ ودينهِ " .
الإمامُ الكبيرُ أبو منصورٍ عبدُ القاهرِ البغداديُّ رَوَى في كتابهِ (تفسيرُ الأسماء والصِّفات) عن شيخِ أهلِ السُّـنَّةِ والجماعةِ أبي الحَسَنِ الأشعريِّ أنه قال :" أَوَّلُ ما يجبُ على العبدِ العِلْمُ بالله ورَسُولهِ ودينهِ " .
وقال الإمامُ أبو حنيفةَ في كتابه (الفِقْهُ الأبسط) :" إعلمْ أَنَّ الفِقْهَ في الدِّينِ أفضلُ من الفِقْهِ في الأحكام " .. وقال أيضًا :" أصلُ التوحيدِ وما يَصِحُّ الاعتقادُ عليه وما يَتَعَلَّقُ بالاعتقاديَّاتِ هو الفِقْهُ الأكبرُ " ..
ونَقَلَ الحافظُ أبو القاسمِ بنُ عساكرَ في كتابهِ[(تبيينُ كَذِبِ المفتري)/ص342]عن الإمامِ الشَّافِعِيِّ أنه قال :" أَحْكَمْنَا ذاكَ قبلَ هذا " .. معناهُ أَتْقَنَّا عِلْمَ التوحيدِ قبلَ أَنْ نُتْقِنَ فروعَ الفِقْهِ .. كذلكَ أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ في كتابه[(مناقبُ الشَّافِعِيِّ)/ج1/ص457].

وقد رَوَى ابنُ ماجهْ عن جُنْدُبِ بنِ عبدِ الله أنه قال :" كُنَّا مَعَ النبيِّ ، صلَّى الله عليه وسلَّم ، ونحنُ فتيانٌ حَزَاوِرَةٌ فتعلَّمنا الإيمانَ قبلَ أَنْ نَتَعَلَّمَ القرءانَ ، ثمَّ تعلَّمنا القرءانَ فازْدَدْنا به إيمانا " .

وكذلكَ الإمامُ الكبيرُ أبو منصورٍ عبدُ القاهرِ البغداديُّ رَوَى في كتابهِ (تفسيرُ الأسماء والصِّفات) عن الغزاليِّ أنه قال :" لا تَصِحُّ العبادةُ إلَّا بعد معرفةِ المعبود " .

.

وقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :" رُبَّ صائمٍ حَظُّهُ من صيامهِ الجوعُ والعَطَشُ ورُبَّ قائمٍ حَظُّهُ من قيامهِ السَّهَرُ " .

رواهُ الإمامُ أحمدُ في (مسندِه) وابنُ خُزَيْمَةَ في (صحيحهِ) وأبو يَعْلَى في (مسندِه) بإسنادٍ صحيحٍ . .

.
فاعلموا ، رحمكم الله ، أَنَّ الله قائمٌ بذاته . أي ليسَ وُجُودُهُ مُتَوَقِّفًا على غيرِه . كانَ الله مَوْجُودًا قبلَ العَالَمِ ، كانَ مَوْجُودًا قبلَ الزَّمَانِ وقبلَ المكانِ وقبلَ الْجِهَاتِ السِّتِّ والأبعادِ الثلاثةِ ومن غيرِ أنْ يَسْبِقَ وُجُودَهُ عَدَمٌ ومن غيرِ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ غيرُه . ثمَّ خَلَقَ الله العالمَ . خَلَقَ الزَّمانَ وخَلَقَ المكانَ وخَلَقَ الْجِهَاتِ السِّتَّ والأبعادَ الثلاثة .. والْجِهَاتُ السِّتُّ ، كما هو معلوم ، هي : فوق وتحت وأمام وخلف ويمين وشِمال .. والأبعادُ الثلاثةُ هي الطُّولُ والعَرْضُ والعُمْقُ .
.
ولم يَتَغَيَّرِ اللهُ بعدَ أَنْ خَلَقَ العالمَ عَمَّا كان .. سبحانَه يُغَيِّرُ ولا يَتَغَيَّر .. العَالَمُ هو كُلُّ ما سوَى الله .. العَالَمُ هو الْجِهَاتُ السِّتُّ وما تَحْوِيهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ .. الله ، تباركَ وتعالى ، خَلَقَ العَالَمَ العُلْوِيَّ وخَلَقَ العَالَمَ السُّفْلِيَّ ..

قال إمامُ أهلِ السُّنَّةِ أبو جعفرٍ الطَّحَاوِيُّ المتوفَّى سنةَ إحدَى وعشرينَ وثَلاثِمِائَةٍ للهجرة في كتابهِ (العقيدةُ الطَّحَاوِيَّة) :" تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدوات ، لا تَحْويهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ كسائرِ المبتدَعات " .

فقولُ الإمام أبي جعفر :" تعالى عن الحدود " يعني بهِ أنَّ الله تَنَزَّهَ عن أنْ يكونَ له حَدٌّ . أي تَنَزَّهَ عن أنْ يكونَ له كَمِّـيَّةٌ . الله ، سبحانَه وتعالى ، مَوْجُودٌ غيرُ محدود ، أي مَوْجُودٌ من غيرِ أنْ يَكُونَ مُقَدَّرًا بمِقْدَارٍ ، أي من غيرِ أنْ يكونَ له مِقْدَارٌ من الحجمِ ينتهي إليه ، أي من غيرِ أنْ يكونَ له كَمِّـيَّة . إذْ لو كانَ لله حَدٌّ ، أي كَمِّـيَّةٌ ، لكانَ له أمثالٌ كثيرةٌ لا تُحْصَى . والله ليسَ له مِثْلٌ .

قال الله تعالى (( فلا تَضْرِبُوا للهِ الأمثالَ ))[النحل/74].

قال أبو جعفرٍ الطَّحَاوِيُّ :" تعالى عن الحدودِ والغاياتِ والأركانِ والأعضاءِ والأدواتِ ، لا تَحْوِيهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ كسائرِ المبتدَعات " .

أمَّا الغاياتُ فهي النِّهايات ، وأمَّا الأركانُ فهي الجوانب ، وأمَّا الأعضاءُ فهي اليدُ الجارِحةُ والرِّجْلُ الجارِحة ، وأَمَّا الأدواتُ فهي الأجزاءُ الصَّغِيرَةُ كاللِّسَانِ والأضراس . وأمَّا المبتدَعات فهي ، لغةً ، المخـلوقات . وأرادَ بها الإمامُ هنا الأشياءَ التي لها حَدٌّ . الشَّمْسُ لها حَدٌّ . القمرُ له حَدٌّ . الإنسانُ له حَدٌّ . الرُّوحُ الذي هو جسمٌ لطيفٌ يُدَبِّرُ البَدَنَ له حَدٌّ ، أَيْ مِقْدَارٌ من الحَجْمِ يعلمُه الله . الضَّوْءُ له حَدٌّ . الظَّلامُ له حَدٌّ . لكلِّ سماء من السَّماواتِ السَّبْعِ حَدٌّ ، أَيْ مقدارٌ من الحَجْم يعلمُه الله . نارُ الدُّنيا لها حَدٌّ . نارُ جَهَنَّمَ لها حَدٌّ . جَهَنَّمُ لها حَدٌّ . الجَنَّةُ لها حَدٌّ . العَرْشُ الذي هو سَقْفُ الجَنَّةِ له حَدٌّ ، أَيْ مقدارٌ من الحَجْمِ يعلمُه الله . النَّمْلَةُ لها حَدٌّ . الهباءُ الذي نراهُ في أشعَّة الشَّمْسِ الدَّاخِلَةِ من الكَوَّةِ له حَدٌّ . الجَوْهَرُ الفَرْدُ الذي هو أصغرُ جُزْءٍ في الجسمِ والذي لا يَقْبَلُ الإنقسامَ عقلًا لتناهيهِ في الصِّغَرِ له حَدٌّ أيضًا . وكُلُّ ما لَهُ حَدٌّ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ له مكانٌ يَتَحَيَّزُ فيه . والشَّيْءُ الذي له مكانٌ يَتَحَيَّزُ فيه لا بُدَّ أَنْ تَحْوِيَهُ الْجِهَاتُ السِّتُّ أي لا بُدَّ أَنْ تحيطَ به الْجِهَاتُ السِّتُّ .

ولكلامِ الإمامِ أبي جعفر :" لا تَحْوِيهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ " دليلُه العقليُّ ، وهو أنَّ الله تعالى كان قبلَ الْجِهَاتِ السِّتِّ ، فكيفَ بعد أنْ خَلَقَ الله الْجِهَاتِ السِّتَّ ، تَحْوِيهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ !!. سبحانَهُ يُغَـيِّرُ ولا يَتَغَيَّرُ . والْجِهَاتُ السِّتُّ ، كما هو معلوم ، هي : فوق وتحت وأمام وخلف ويمين وشِمال .

يستحيلُ في العقل أن تحيطَ الْجِهَاتُ السِّتُّ بالله تعالى وذلك لأنَّ الله هو الذي خلقَها والخالقُ يجب عقلًا أن يكونَ قبل المخلوق . وربُّنا ، الآن ، أي بعد أن خَلَقَ الْجِهَاتِ السِّتَّ ، لم يَزَلْ على ما عليه كان ، أي لم يَزَلْ مَوْجُودًا من غير أنْ تَحْوِيَهُ الْجِهَاتُ السِّتُّ ، وذلك لأن التَّغَيُّرَ مستحيلٌ عليه لأنه إله ، والإله يُغَيِّرُ ولا يَتَغَيَّرُ . فذاتُه إذًا مُنَزَّهٌ عن أنْ يَكُونَ له كَمِّـيَّةٌ لاستحالةِ إحاطةِ الْجِهَاتِ به .

كما وأنَّ عبارةَ الإمامِ أبي جعفرٍ هذه :" لا تَحْوِيهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ كسائرِ المبتدَعات " فيها معنى التوحيد ، وهو أنَّ ذاتَ الله هو وحدَه الذي لا تَحْوِيهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ .
ودليلُ ذلك أنَّ ذاتَ الله ، أيْ حقيقتَه ، ليس جزءًا من العالم أمَّا سائرُ الأشياء التي لها حَدٌّ ، أَيْ كَمِّـيَّة ، فهي أجزاء من جملة العالم ، حتى إنَّ الجَوْهَرَ الفَرْدَ الذي هو أصغرُ جزء في الجسم والذي لا يقبلُ الانقسامَ عقلًا لتناهيه في الصِّغَرِ ، حتى هذا ، لا شَكَّ أنه جزءٌ من العالم . ومن كان جزءًا من العالمِ وَجَبَ أنْ تحيطَ بهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ ، ومن حَوَتْهُ الْجِهَاتُ السِّتُّ وَجَبَ أن يكونَ له كَمِّـيَّة ، أي مقدارٌ من الحجم ..
قال حُجَّةُ الإسلام ، إمامُ أهلِ الحقِّ ، سَيِّدُنا عليُّ بنُ أبي طالب :" مَن زَعَمَ أنَّ إلـٰـهَنا محدود فقد جَهِلَ الخالقَ المعبود " .. أنظر[(حِلْيَةَ الأولياء)/ترجمة عليِّ بنِ أبي طالب/ج1/ص73] للحافظِ أبي نُعَيْمٍ . رَوَاهُ عنِ النُّعْمَانِ بنِ سعدٍ عن عليِّ بنِ أبي طالب .. والمحدودُ ، عندَ علماء الأصول ، ما لَهُ حَجْمٌ ..

كُلُّ ما له حَجْمٌ يقالُ له ، عند علماء الأصول ، محدود ، سواءٌ أكانَ صغيرًا أم كبيرًا .. ومفهومُ كلامِ الإمامِ عليٍّ تكفيرُ كلِّ من يَزْعُمُ أنَّ لذاتِ الله كَمِّـيَّةً صغيرةً أو كَمِّـيَّة كبيرةً ..

الشَّيْءُ الذي له حَدٌّ يستحيلُ في العقلِ أنْ يَكُونَ إلـٰـهًا لأنه محتاجٌ إلى من جعلهُ على هذا المقدار من الحجمِ ، والمحتاجُ لا يَكُونُ إلـٰـهًا . المحتاجُ لا يستحقُّ أَنْ يُعْـبَدَ . ولأنه يستحيلُ في العقلِ أنْ يَخْلُقَ الشيءُ نفسَه بَطَلَ قولُ مَنْ قال إنَّ الله قَدَّرَ لنفسه حجمًا هو الآنَ عليه . لذلكَ اعتبرَ الإمامُ عليٌّ هذا الذي زَعَمَ أَنَّ الله محدودٌ جاهلًا بربِّه غَيْرَ عارف به .

وقال الإمامُ أبو حنيفةَ في (الفقه الأكبر) ما نصُّه :" ولا حَدَّ له ولا ضِدَّ له "ا.هـ..

معناهُ : ليسَ له مِقْدَارٌ من الحجمِ وليسَ له نظير .. والضِّدُّ في اللُّغَةِ تأتي بمعنى الشَّبيهِ والنظير ، وتأتي بمعنى المخالف .. والمرادُ هنا الشَّبيهُ والنظير .. فلا حَدَّ لله تعالى ولا شبيهَ له ولا مِثْلَ ..

وليس مرادُ العلماء بنَفْيِ الحدِّ عن الله أنَّه ممتدٌّ إلى غيرِ نهاية ، بل مُرادُهُمْ بنَفْيِ الحدِّ عن الله نَفْيٌ لأَنْ يكونَ لذاتهِ كَمِّـيَّةٌ . وذلك لأنَّ ما لذاتهِ امتدادٌ ، أي انبساطٌ ، يستحيلُ في العقلِ أن يكونَ ممتدًّا إلى ما لا نهاية ، بل لا بُدَّ منْ أن ينتهيَ امتدادُه ، أي انبساطُه ، حيث شاء الله لهذا الامتدادِ أن ينتهيَ . وهذا معناهُ أنَّ الممتدَّ ، أي المنبسطَ ، مهما كان امتدادُه عظيمًا لا بُدَّ من أن يكونَ له كَمِّـيَّةٌ .. واتِّصَافُ الله بالكَمِّـيَّةِ مستحيلٌ عقلًا . ومَنْ وَصَفَ الله بما يستحيلُ عليه عقلًا فقد كفر وخرج من الإسلام . فمرادُ العلماء بنفي الحدِّ عن الله نَفْيٌ لأنْ يكونَ لذاتهِ كَمِّـيَّةٌ صغيرةٌ أو كَمِّـيَّةٌ كبيرةٌ ، وليس مُرادُهُمْ أنَّ الله ممتدٌّ . أي ليس مُرادُهُمْ أنَّ الله منبسط . فكيف يقبلُ صاحبُ عقلٍ سليم أن يقولَ بعد ذلكَ إنَّ الله ممتدٌّ إلى غيرِ نهايةٍ وقد ثَبَتَ أنَّ الإمتدادَ ، أي الانبساطَ ، مَنْفيٌّ عن الله أصلًا بحكم العقل . أمَّا العَالَمُ فإنه ممتدٌّ إلى نهايةٍ يعلمُها الله وليس إلى غير نهاية . فالعَالَمُ كلُّه بجملته محدود ، إذ يستحيلُ في العقلِ أن يكونَ ممتدًّا في المِساحة إلى ما لا نهاية .

وأفرادُ العَالَمِ كلُّها لها حَدٌّ ، فالعرشُ ليسَ هو جِرْمًا منبسطًا إلى غير انتهاء ، وكذلك الجَنَّةُ والنَّارُ والسَّماواتُ والأراضي واللَّوْحُ والكُرْسِيُّ الذي وَسِعَ السَّماواتِ والأرضَ ، كُلٌّ منها محدود ، أي أنَّ كُلًّا من هذه المخلوقاتِ قد خَلَقَهُ الله على مِقْدَارٍ من الحجم ينتهي إليه ، وهو ما نُعَبِّرُ عنه بالكَمِّـيَّة . نحنُ لا نقولُ إنَّنا نَعْلَمُ هذا المقدارَ ، ولكنَّ الله يَعْلَمُهُ ، ولا شَكَّ في ذلك .. فمن قال في الله :" إنَّه ممتـدٌّ " ، أي منبسط ، أو قال :" إنَّ لله مِسَاحَةً " ، أو قال :" إنَّ لله كَمِّـيَّةً " ، فهو كافرٌ برَبِّهِ غيرُ عارفٍ به . وذلك لأنَّ مَنْ نَسَبَ إلى الله الامتدادَ أو المِسَاحَةَ أو الكَمِّيَّةَ فقد وَصَفَ الله بصفةٍ من صفاتِ البشر ، ومن وَصَفَ الله بصفةٍ من صفاتِ البَشَرِ فقد كفر . قال الإمامُ أبو جعفرٍ الطَّحَاوِيُّ في كتابهِ (العقيدةُ الطَّحَاوِيَّة) :" ومَنْ وَصَفَ الله بمعنًى من معاني البشر فقد كفر " ، أي مَنْ وَصَفَ الله بصفةٍ من صفاتِ البَشَرِ فقد خَرَجَ من الإسلام . فاعتقادُ أنَّ الله محدودٌ كُفْرٌ صريحٌ لا يُقْـبَلُ معه الإسلامُ ولا يكونُ معه الإيمان .

.

ذَكَرَ الْمُحَدِّثُ الحافظُ محمَّد مُرْتَضَى الحسينيُّ الزَّبيدِيُّ في كتابهِ (شرح إحياء علوم الدِّين) بإسنادٍ مُتَّصِلٍ منه إلى الإمام زينِ العابدينَ عليِّ بنِ الحسينِ أنَّه قال في رسالتهِ المشهورة بـ (الصَّحيفة السَّجَّادِيَّة) :" أنتَ اللهُ الذي لا تُحَدُّ فتكونَ محدودًا " ، أي فمن المستحيلِ أن تكونَ محدودًا ، أي فمن المستحيلِ أن يكونَ لذاتِك كَمِّـيَّةٌ . هذه الفاء هي فاء السَّـبَبِيَّة ، والفعلُ " تكونَ " منصوبٌ بـ " أَنْ " مضمَرة بعد فاء السَّـبَبِيَّة .

كما نَقَلَ الزَّبيدِيُّ نفسُه عن زينِ العابدينَ أيضًا أنه قال في الصَّحِيفَةِ نفسِها :" لا يحيطُ بهِ مكان " . وهذا كلامٌ صحيح ، وذلك لأنَّ الله تعالى لو كانَ في مكانٍ لكانَ محدودًا تَحْوِيهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ . وقد تَقَدَّمَ الدَّليلُ العقليُّ على أنَّ الله تعالى لا تحيطُ به الْجِهَاتُ السِّتُّ .

قال الإمامُ الرِّفَاعِيُّ :" غايةُ المعرفةِ بالله الإيقانُ بوُجُودِهِ تعالى بلا كيفٍ ولا مكان " .

قال كلمةَ التنـزيهِ هذه في كتابهِ[(الحِكَم)/ص35/ص36].. والإمامُ الرِّفَاعِيُّ هذا هو أحمدُ بنُ عليِّ بنِ أحمدَ بنِ يحيى بنِ خازمِ بنِ عليِّ بنِ رِفاعة . وينتهي نسبُه إلى زينِ العابدينَ عليِّ بنِ الحسينِ بنِ عليِّ بنِ أبي طالب . وكانَ ممَّن جَمَعَ بينَ العِلْمِ والعَمَلِ والزُّهْدِ . كانَ فقيهًا مُحَدِّثًا مُفَسِّرًا أَلَّفَ تآليفَ كثيرةً . منها : كتابُ (شرح التنبيه) ، وهو كتابٌ في الفِقْهِ الشَّافِعِيِّ . وأَلَّفَ في الحديثِ أربعينَ حديثًا بالإسناد .. تُوُفِّيَ سنةَ خَمْسِمِائَةٍ وثمانيةٍ وسبعين .. أَلَّفَ في ترجمتهِ الإمامُ أبو القاسمِ الرِّفَاعِيُّ تأليفًا سمَّاه (سوادُ العينينِ في مناقبِ أبي العَلَمَيْن)

.

والله لا إله غيرُه أي لا معبودَ بحَقٍّ غيرُه ، أي لا أحدَ يستحقُّ أنْ يُعْبَدَ غيرُه . ليس له طُولٌ ولا عَرْضٌ ولا عُمْقٌ ولا شَكْلٌ ولا جُزْءٌ أيمن ولا جُزْءٌ أيسر ولا جُزْءٌ أعلى ولا جُزْءٌ أسفل . ليس ربُّنا ساكنًا وليس مُتَحَرِّكًا . مَوْجُودٌ بلا مكان ولا جهة : ليستِ السَّماءُ مكانًا له ولا ما فوقَها ولا ما تحتَها ، وليسَ أيُّ مكانٍ مكانًا لله سبحانَه وتعالى . وليس الله تعالى في كُلِّ مكان ، وذلك لأنه ، سبحانَه وتعالى ، كان قبل العالمِ : كانَ قبلَ المكان وقبلَ الامتدادِ وقبلَ الاتِّسَاعِ وقبلَ الْجِهَاتِ وقبلَ الظَّلام وقبلَ الضَّوْءِ وقبلَ الزَّمانِ والتعاقب . ثمَّ خَلَقَ الله العَالَمَ : خَلَقَ المكانَ والامتدادَ والاتِّسَاعَ والْجِهَاتِ كلَّها والظُّلُمَاتِ والنُّور . وهو الآنَ مَوْجُودٌ لا في مكانٍ ولا في جهةٍ كما كان قبلَ أنْ يَخْلُقَ المكانَ . فكيف يَصِحُّ في العقلِ أنْ يكونَ الله في مكانٍ أو جهةٍ وهو الْمَوْجُودُ قبل الأماكنِ والْجِهَاتِ !!.

فكما وَجَبَ في العقلِ أنْ يَكُونَ اللهُ قبلَ أنْ يَخْلُقَ المكانَ مَوْجُودًا من غيرِ أنْ يَكُونَ في مكانٍ وَجَبَ في العقلِ أيضًا أنْ يكونَ اللهُ بعدَ أنْ خَلَقَ المكانَ مَوْجُودًا من غيرِ أنْ يكونَ في مكان ، وذلك لأنَّ الله يستحيلُ عليه التَّغَيُّرُ .

قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :" كانَ اللهُ ولم يَكُنْ شيءٌ غيرُه "..

والحديثُ صحيحٌ .. رواه البُخَارِيُّ وابنُ الجارودِ والبَيْهَقِيُّ بالإسنادِ الصَّحِيحِ عنه صلَّى الله عليه وسلَّم ..

والحديثُ معناهُ أنَّ الله كانَ قبلَ أنْ يَكُونَ مكانٌ ، أيْ قبلَ أنْ تَكُونَ الأبعادُ الثلاثة ، وقبلَ أنْ تَكُونَ الْجِهَاتُ السِّتُّ . فكيفَ يَحُلُّ بالمكان وكيف تَحْوِيهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ ؟؟. ولكنَّ الله تعالى عَالِمٌ بنا وبأحوالنا ، محيطٌ بنا عِلْمًا ، وهو مَعَنَا بعِلْمهِ أينما كُنَّا من غيرِ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بالعَالَمِ أو مُنْفَصِلًا عنه أو دَاخِلَهُ أو خَارِجَهُ . وكَمَا وَجَبَ علينا أنْ نُؤْمِنَ بأنَّ الله كانَ كذلكَ قبلَ أنْ يَخْلُقَ العَالَمَ وَجَبَ أيضًا علينا أنْ نُؤْمِنَ بأنَّه ، سبحانَه وتعالى ، بعدَ أنْ خَلَقَ العَالَمَ لم يَزَلْ كَمَا كانَ لا دَاخِلَ العَالَمِ ولا خَارِجَه ، لا مُتَّصِلًا بالعَالَمِ ولا مُنْفَصِلًا عنه ، إذ التَّغَيُّرُ في حَقِّهِ تعالى مستحيلٌ لا يقبلُه العقلُ لأنَّ التَّغَيُّرَ من صفاتِ البَشَرِ وهو نَقْصٌ في حَقِّهِ تعالى ، والله يغيِّر ولا يتغيَّر .

قال بعضُ الأَئِمَّةِ الحنفيَّة :" إنَّ الله تعالى ليس داخلَ العَالَمِ وليسَ خارجَه " . ومن هؤلاء الأَئِمَّةِ القَوْنَوِيُّ ، والعَلَّامَةُ البياضيُّ في كتابه[(إشارات المرام)/ص197/ص198]، ومنهم أيضًا شيخُ المتكلِّمين على لسان أهلِ السُّـنَّةِ أبو الْمُعِينِ النَّسَفِيُّ وذلك في كتابهِ[(تبصرةُ الأدلَّة)/ج1/ص176/ص177]وغيرُهم من مشاهيرِهم .

وذلكَ لأَنَّ التعبيرَ بـ[[خارج الشَّيْء]]لا يَكُونُ إلَّا لِمَا له كَمَّـيَّةٌ أيْ مِقْدَارٌ من الحجم . وأمَّا الذي لا كَمِّـيَّةَ له ، وهو الله عَزَّ وجَلَّ ، فلا يقالُ إنه خارجَ العَالَمِ كما لا يقالُ إنه داخلَ العَالَمِ ..

أَضِفْ إلى ذلكَ أنَّ العَالَمَ بجملته محدود ، والخَلاءُ والْمَلاءُ ينتهي بانتهاء حَدِّ العالم .. فليسَ وراء العالمِ شيءٌ ، لا خلاء ولا مَلاء .. لا فضاء ولا أحجام ..

قال الله تعالى في القرءان الكريم (( وهو مَعَكُمْ أينَ ما كنتم ))[الحديد/4]..

وقال أيضًا (( ألَا إنَّه بكُلِّ شيء محيط ))[فُصِّلَتْ/54]..

وقال أيضًا (( اللهُ الذي خَلَقَ سَبْعَ سمٰواتٍ ومن الأرضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمرُ بَيْنَهُنَّ لتَعْلَمُوا أنَّ اللهَ على كُلِّ شيءٍ قديرٌ وأنَّ اللهَ قد أحاطَ بكلِّ شيءٍ عِلْمًا ))[الطَّلاق/12].

وقالَ الله أيضًا إخبارًا عن سَيِّدِنا موسَى أنَّه قال لقومهِ (( إنَّما إلـٰـهُكُمُ اللهُ الذي لا إلـٰـه إلَّا هو ، وَسِعَ كُلَّ شيء عِلْمًا ))[طه/98]..

قال أهلُ الحَقِّ :" إنَّ الله تعالى وَسِعَ كُلَّ شيءٍ عِلْمًا ، أي وَسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شيء ، وهو مَعَنَا بعِلْمهِ ، محيطٌ بكل شيءٍ عِلْمًا ، ولا يَغِيبُ عَنْ عِلْمِ الله شيءٌ " . ونحنُ نقولُ ما قاله أهلُ الحَقِّ ونردِّد ما رَدَّدُوه ((( إنَّ الله تعالى وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ، أي وَسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شيء ، وهو مَعَنَا بعِلْمهِ ، محيطٌ بكل شيءٍ عِلْمًا ، ولا يَغِيبُ عن عِلْمِ الله شيء ))) ، ولا نستعملُ عباراتٍ قبيحةً كقول بعض الجُهَّالِ :" إنَّ الله في كُلِّ مكانٍ بعِلْمهِ " لأَنَّ هذا الكلامَ ليسَ من ديننا ، وإنَّما هو كلامٌ قبيحٌ ممنوعٌ مُحَرَّمٌ محظورٌ لأنَّه يُوهِمُ معنًى فاسدًا . لكنْ نحنُ لا نُكَفِّرُهُمْ . لا نُكَفِّرُ هؤلاء الذينَ يقولونَ هذه العبارةَ وذلكَ لأنَّهم لا يَفْهَمُونَ من هذه العبارة القبيحة إلَّا أَنَّ الله تعالى عَالِمٌ بكلِّ شيء ولا يخفَى عليه شيء . هذا كُلُّ ما يفهمونه من هذه العبارة القبيحة . ولكن يجبُ علينا نحنُ أن ننهاهم عنها ، ونرشدَهم إلى العباراتِ الحَسَـنَةِ التي يُرَدِّدُها أهلُ الحَقِّ ((( إنَّ الله تعالى وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ، أي وَسِعَ عِلْمُهُ كُلَّ شيء ، وهو مَعَنَا بعِلْمهِ ، محيطٌ بكل شيء عِلْمًا ، ولا يَغِيبُ عن عِلْمِ الله شيء ))) . أَمَّا أنْ يُرَدِّدُوا هذه العبارةَ القبيحة :" إنَّ الله في كُلِّ مكانٍ بعِلْمهِ " فذلكَ حرامٌ ممنوعٌ ويجبُ علينا أن ننهاهم عنها وأن نُحَذِّرَهُمْ منها .

.

بعضُ النَّاسِ يأتونَ بهذه العبارة القبيحة من دون أن يقولوا بعِلْمهِ . يقولون :" الله في كلِّ مكان " ، أي من دون أنْ يُتْبِعُوا كلامَهم بكلمةٍ تبيِّن ما يفهمون من هذه العبارة القبيحة . والله أعلمُ بمراد هؤلاء . فإن كانوا يفهمون من قولهم الله في كلِّ مكان أَنَّ اللهَ معنا بعِلْمهِ لا يخفَى عليه من أمورِنا شيءٌ فإنَّ فَهْمَهُمْ صحيحٌ ولكنَّهم وقعوا في معصيةِ الله لأنَّهم عَبَّرُوا عن فَهْمِهِمُ الصَّحِيحِ بكلامٍ قبيحٍ ممنوعٍ مُحَرَّمٍ محظور .

ونحنُ لا نُكَفِّرُهُمْ إنْ كانوا لا يفهمونَ من هذه العبارة أنَّ الله في كُلِّ مكانٍ بذاتهِ ، وإنِّما يجبُ علينا أن نحكمَ بكفر من كان يُرَدِّدُ هذه العبارةَ وهو يفهمُ منها أَنَّ اللهَ في كُلِّ مَكانٍ بذاتهِ . أي كالهواء . وليسَ جهلُه بالله عُذْرًا له يمنعُنا من الحكمِ عليه بالكفر . بل هو كافر ولو كان جاهلًا بعقيدة التنـزيه . حتَّى ولو كان جاهلًا بأنَّه كافر . هؤلاء الذينَ يَزْعُمُونَ أنَّ الله في جميع الأماكن أو هو العَالَمُ والعَالَمُ هو الله هؤلاء يقالُ لهم أهلُ الوَحْدَةِ الْمُطْلَقَةِ . هؤلاء كُفَّارٌ . وكافرٌ مَنْ شَكَّ في كفرِهم .

الذي يَشُكُّ في كُفْرِ هذا الكافرِ الجاهلِ بربِّه يَكُونُ كافرًا مثلَه . الجهلُ لا يرفعُ الْمُؤَاخَذَةَ عن المخطئ .. الجهلُ بعقيدةِ التنـزيهِ لا يرفعُ المؤاخذةَ عن الجاهلِ بها . الجهل بالإسلام وبعقيدةِ التنـزيهِ لا يُنْجِي من الوقوعِ في الكفر . وما دامَ في قلب العبدِ اعتقادٌ كُفْرِيٌّ فالشَّهادَتانِ لا تنفعانهِ ولو تلفَّظ بهما ءالافَ المَرَّات .

.

إنَّ أَوَّلَ مَنْ صَرَّحَ بعقيدة الحلول رَجُلٌ اسمُه جَهْمُ بنُ صَفْوانَ .. جَهْمُ بنُ صَفْوانَ كان يقول :" الله مَوْجُودٌ في كُلِّ مكانٍ بذاتهِ " . وهذا لفظٌ صريحٌ في الكُفْرِ لا يُؤَوَّلُ . وجَهْمُ بنُ صَفْوانَ قُتِلَ على الإلحاد . سَلْمُ بنُ أَحْوَز ، أَحَدُ وُلاةِ الدَّوْلَةِ الأُمَوِيَّةِ ، قَتَلَهُ يومَ عيدِ الأضحى . قال :" أُضَحِّي بجهمِ بنِ صفوان " . والذينَ يقولونَ اليومَ مقالةَ جَهْمِ بنِ صَفْوَانَ يُقَالُ لهمُ الجَهْمِـيَّة .
.
واحذروا من طائفةٍ تنتسبُ إلى التَّصَوُّفِ تُسَمَّى الشَّاذِلِيَّةَ اليَشْرُطِيَّةَ . إنَّ هذه الطَّائِفَةَ تدَّعي أنَّ القَيُّومَ الذي هو من أسماء الله الحسنى معناهُ القائمُ فينا . فكُفْرُهُمْ هذا يُعَدُّ منْ أشنع أنواع الكُفْرِ . وأما الشَّيْخُ عليٌّ نورُ الدِّينِ اليَشْرُطِيُّ الذي تنتسبُ إليه هذه الطَّائِفَةُ فهو برِيءٌ ممَّا يقولون ، هو كان على عقيدة التنـزيه .

.
القَيُّومُ من أسماء الله الحسنى . والتسميةُ بالقَيُّومِ لا تجوزُ إلَّا لله . القَيُّومُ معناهُ الدَّائمُ الذي لا يزول .
وقال بعضُ علماء أهلِ السُّـنَّة :" القَيُّومُ معناهُ القائمُ بتدبيرِ خَلْقهِ لأنَّ تدبيرَ جميعِ الأشياء لا يكونُ إلَّا لله . وأمَّا الملائكةُ الذينَ وَصَفَهُمُ الله تعالى في سورة النَّازعات بقولهِ (( فالْمُدَبِّراتِ أَمْرًا )) فإنَّما يُدَبِّرُونَ في أمورٍ خاصَّة كالمطرِ والرِّيحِ والنَّبَاتِ وأشياء أخرى وليسَ في كُلِّ شيء " .
وقال بعضُ علماء أهلِ السُّـنَّة :" القَيُّومُ هو القائمُ بنَفْسهِ الذي لا يحتاجُ إلى غيرِه " .
إنَّ الشَّيخَ عليًّا نورَ الدِّينِ اليَشْرُطِيَّ الذي كانَ في القَرْنِ الماضي هو رجلٌ من أكابرِ الأولياء والصَّالحين ، وقد كانت له كراماتٌ عديدة . هو تلميذُ الشَّيْخِ أبي الحَسَنِ الشَّاذِلِيِّ .

والشَّيْخُ أبو الحَسَنِ الشَّاذِلِيُّ هو من رؤوسِ الأولياء في عصرِه وله كراماتٌ شهيرةٌ أنصعُ من الشَّمْسِ في رابعةِ النَّهار . الطَّرِيقَةُ الشَّاذِلِيَّةُ اليَشْرُطِيَّةُ طريقةٌ فاضلةٌ لا غبارَ عليها مطلقًا . وأَمَّا الطَّرِيقَةُ الشَّاذِلِيَّةُ اليَشْرُطِيَّةُ الْمُحَرَّفَةُ فهيَ طريقةٌ منبوذة ..

بعضُ الذينَ يَنْسُبُونَ أنفسَهم إلى هذه الطَّريقَةِ يقولون " الله ليسَ كَمِثْلهِ شيءٌ وهُوَ عَيْنُ كُلِّ شيءٍ " . ومنهم مَنْ يقول :" إنَّ الله عَيْنُ الأشياء " . يَعْنُونَ بذلكَ أَنَّ الله جملةُ العَالَمِ وأفرادَ العَالَمِ جُزْءٌ منه .
ويُرَدُّ على هؤلاء الكُفَّارِ بقولِ الله تعالى (( الحَمْدُ لله رَبِّ العالمين ))[الفاتحة/2]. فقد أثبتَ الله بهذه الآيةِ وُجُودَ ذاتهِ ووُجُودَ العَالَمِ مَعَ بيان أنه خالقُه . وفي ذلكَ نفيُ الحُلُولِ والوَحْدَة . وهؤلاء ليسوا صوفيَّة ، هؤلاء لا تأويلَ لكلامهم ولا يجوزُ الشَّكُّ في كفرِهم . هؤلاء أهلُ الوَحْدَةِ الْمُطْلَقَةِ .
ومثلُهم بعضُ الدَّجَّالينَ مُدَّعِي التَّصَوُّفِ . فقد قالوا :" وما في الوُجُود سوَى واحد ،،، ولكنْ تَكَثَّرَ لَمَّا صَفَا " ..

معناهُ : العَالَمُ هو الله .. هذا معنى البيت .. وهذا البيتُ من جملةِ قصيدةٍ منسوبةٍ إلى الشَّيْخِ عبدِ الغنيِّ النَّابُلُسِيِّ في الدِّيوان المنسوب إليه .. ونحنُ لا نعتقدُ صِحَّتَهُ عن الشَّيْخِ عبدِ الغنيِّ ..

.
إعتقادُنا أَنَّ الشَّيْخَ عبدَ الغنيِّ النَّابُلُسِيَّ بريءٌ ممَّا نُسِبَ إليه . لأنَّه ذَكَرَ هو نفسُه في بعضِ كُتُبهِ أَنَّ مَنْ قال إنَّ الله انحلَّ من شيء أو انحلَّ منه شيءٌ فقد كَفَر . وهذا التكفيرُ الثَّابِتُ عنه ضِدُّ هذا البيتِ المنسوبِ إليه الْمُفْتَرَى عليه .
وممَّن ذَكَرَ أنَّ الجهلَ بعقيدةِ التنـزيهِ سببٌ من الأسباب التي توقعُ في الكُفْرِ عبدُ الغنيِّ النابلسيُّ .

قال الشَّيْخُ عبدُ الغنيِّ النَّابُلُسِيُّ ، رضي الله عنه ، المتوفَّى سنة 1144 للهجرة في كتابه (الفتحُ الرَّبَّانِيُّ والفَيْضُ الرَّحْمَانِيُّ) ما نصُّه :" مَنِ اعتقدَ أنَّ الله ملأ السَّماواتِ والأرضَ أو أنَّه جسمٌ قاعدٌ فوقَ العرشِ فهو كافرٌ وإنْ زَعَمَ أنه مُسلم "ا.هـ..

.

يقولُ سَيِّدُ الصُّوفِيَّةِ الجُنَيْدُ البغداديُّ :" التوحيدُ إفرادُ القديمِ من الْمُحْدَثِ " . معناهُ لا تَشَابُهَ بينَ القديمِ والْمُحْدَثِ . معناهُ لا تَشَابُهَ بينَ اللهِ القديمِ والعَالَمِ الْمُحْدَثِ .

.

وقال بعضُهُم في تعريف التوحيد :" التوحيدُ إفرادُ المعبود بالعبادة " .

.

وقال بعضُهم :" التوحيدُ إثباتُ ذاتٍ غيرِ مُشْـبِهٍ للذَّوَاتِ وغيرِ مُعَطَّلٍ عَنِ الصِّفات " .

.

والحافظُ ابنُ حَجَرٍ العسقلانيُّ يقولُ في شرحه على (صحيح البُخَارِيِّ) :" أهلُ السُّـنَّةِ فَسَّرُوا التوحيدَ بنفي التشبيهِ والتعطيل " .. أنظر[(فتحَ الباري)/ج13/ص344]..

.

لذلكَ يجبُ الحَذَرُ من هذه العبارة التي يُرَدِّدُهَا بعضُ الجُهَّالِ . وهي :" لا مَوْجُودَ إلَّا الله " ، أو :" يا ألله ما في غيرك " ..

إنَّ كثيرًا من العَامَّةِ يردِّدون هذه العباراتِ ولا يَفْهَمُونَ معناها الكفريَّ . هذه العباراتُ تعني أنَّ اللهَ هو جملـةُ العَالَمِ وأنَّ كُلَّ أفرادِ العَالَمِ جزءٌ من الله . هذه الكلمةُ وَضَعَهَا أهلُ الوَحْدَةِ الْمُطْلَقَةِ ثمَّ سَرَتْ إلى ءاذانِ بعضِ العَامَّةِ الذينَ لا يفهمونَ معناها الأصليَّ . فصاروا يردِّدونها من غير فَهْمٍ لمعناها الأصليِّ الذي هو كُفْـرٌ صريح . وإنما يَفْهَمُونَ منها أنَّه لا مُدَبِّرَ للْكَوْنِ إلَّا اللهُ وأنَّه لا يُوجَدُ إلهٌ يستحقُّ العبادةَ إلَّا الله . هذا كُلُّ ما يفهمونه من هذه العباراتِ القبيحة . هؤلاء النَّاسُ اعتقادُهم في الله صحيح ، لكنَّهم جَهِلُوا المعنى الأصليَّ لهذه الكلمة . لذلكَ نحنُ لا نُكَفِّرُهُمْ . هذه العبارة :" لا مَوْجُودَ إلَّا الله " ، أو :" يا ألله ما في غيرك " ليسَ لها إلَّا معنًى واحدٌ ، وهو كُفْرِيٌّ ، وهو أنَّ الله هو جُمْلَةُ العَالَمِ وأنَّ كُلَّ أفراد العَالَمِ جزءٌ من الله . هذه الكلمةُ وَضَعَهَا الملحدونَ ثمَّ قَلَّدَهُمْ بعضُ الجاهلينَ بالمعنى الأصليِّ لهذا اللَّفْظِ الذي هو مِنْ أكفرِ الكُفْرِ .

فَمَنْ عَلِمَ المعنى الكُفْرِيَّ لهذه الكلمةِ وبقيَ مَعَ ذلكَ يُرَدِّدُهَا فإنَّه يَكْفُرُ .. هذا الذي نُكَفِّرُهُ .. ولا يُنْجِيهِ من الكفرِ أنَّه لا يَقْصِدُ معناها الكُفْرِيَّ بعد عِلْمهِ بمعناها الكُفْرِيِّ أو أنَّه يجهل أنَّها مخرجةٌ من الإسلام .. ولا يُنْجِيهِ من الكُفْرِ أنَّه ابتكَر لها في نفسهِ معنًى ءاخَرَ غيرَ كُفْرِيٍّ فصار يَقْصِدُه .. لا عُذْرَ لمنْ فَهِمَ معناها الأصليَّ إذا بقيَ يُرَدِّدُهَا .. فليتركوا هذه الكلمةَ وليقولوا :" لا مَوْجُودَ بذاتهِ إلَّا الله " .. بَدَلَ أنْ يقولوا :" لا مَوْجُودَ إلَّا الله " فليقولوا :" لا مَوْجُودَ بذاتهِ إلَّا الله " ، هذه الكلمةُ فيها ثوابٌ ، الله يعطي قائلَها حَسَنَاتٍ كثيرةً ، هذه الكلمةُ فيها معنى التوحيد ..

.

واعلم ، يا طالبَ العلم ، أَنَّ المسلمينَ يَرَوْنَ رَبَّهُمْ يومَ القيامة وهم في الجَنَّةِ ، يَرَوْنَهُ بلا شَكْلٍ ولا كيفيَّة . يَرَوْنَ ذاتَ الله ، أيْ حقيقتَه ، بأعينهم وليس هو في الجَنَّةِ وليس هو في جهةِ أمام ولا في جهة خلف ولا في جهةِ فوق ولا في جهةِ تحت ولا في جهةِ يمين ولا في جهة شِمال ، ومن غيرِ أنْ يَتَصَوَّرُوهُ في قلوبِهم أو يتمثَّلوه في نفوسهم . يقولُ الله تعالى في سورة القيامة (( وُجُوهٌ يومئذٍ ناضرة . إلى رَبِّهَا ناظرة )) .. وكيفَ يكونُ الله في جهةٍ من الْجِهَاتِ ؟!.. حاشا لله أن يكونَ في جهةٍ من الْجِهَاتِ ، إذ لو كانَ في جهةٍ من الْجِهَاتِ لأَمْكَنَ تَصَوُّرُهُ في القلب ، ومَنْ أَمْكَنَ تَصَوُّرُهُ في القلب لا يكونُ إلـٰـهًا ، أي لا يكونُ له على غيرِه حَقُّ العبادة . والله ، كما تعلمون ، لا إلهَ غيرُه أي لا معبودَ بحقٍّ غيرُه ، أي لا أحدَ يستحقُّ أَنْ يُعْـبَدَ غيرُه ، فكيف يمكنُ تَصَوُّرُهُ في القلب !!. فالذي يجبُ في العقلِ هو أن يكونَ الله مُنَـزَّهًا عن الجهة ، إذ لو كان في جهة من الْجِهَاتِ لأَمْكَنَ تَصَوُّرُهُ في القلب ، وهذا مُحَالٌ ، وما أدَّى إلى الْمُحَالِ محال ..

يقولُ الله تعالى في سورةِ الحديد (( هو الأَوَّلُ والآخِرُ والظَّاهِرُ والباطنُ وهو بكُلِّ شيء عليم )) .. فالله هو الأوَّل ، أي هو وَحْدَهُ الأوَّل ، أي هو وحدَه الأزليُّ القديمُ غيرُ المخلوقِ الْمَوْجُودُ قبل الْجِهَاتِ السِّتِّ . وهو ، سبحانَه وتعالى ، الآخِرُ ، أي هو وَحْدَهُ الآخِرُ ، أي هو وَحْدَهُ الباقي بذاتهِ ، أمَّا الجَنَّةُ وجَهَنَّمُ والعرشُ فهي أجرامٌ باقيةٌ إلى ما لا نهايةَ بمشيئةِ الله وليس بذواتها .. والله هو الظَّاهِرُ ، أي هو القاهر .. والله هو الباطن ، أي هو الذي لا يُتَصَوَّرُ في القلب لأنه لا يستولي عليه تَوَهُّمُ الكيفيَّة وهو خالق الكيفيَّات والصُّوَرِ .. لا يجري على الله زمانٌ ولا يتقيَّد به ، ولا يَتَخَصَّصُ بالمكان ، ولا يَشْغَلُهُ شأنٌ عن شأن ، ولا يكتنفُه عَقْلٌ ، ولا يتكيَّف فيه ، ولا يَتَخَصَّصُ بالذِّهن ، ولا يَتَمَثَّلُ في النفس ، ولا يُتَصَوَّرُ في القلب ، لا تَلْحَقُهُ الأوهامُ والأفكار ، مهما تَصَوَّرْتَ ببالك فالله لا يُشْبِهُ ذلك .

وقال إمامُ الحَرَمَيْنِ أبو المعالي عبدُ الْمَلِكِ الجُوَيْنِيُّ ، الْمُتَوَفَّى سَنَةَ 478 للهجرة ، في كتابه[(الإرشاد)/ص58]ما نصُّه :" مذهبُ أهلِ الحَقِّ قاطبةً أنَّ الله يتعالى عن التَّحَيُّزِ والتَّخَصُّصِ بالْجِهَاتِ "ا.هـ..
.
أيُّها المسلمونَ العقلاء ، إذا قال لكمُ الجاهلُ الغبيُّ :" لا أحدَ يعلمُ مكانَ الله إلَّا الله " ،

فقولوا له :" إنَّ الله تعالى ليس له مكانٌ في عِلْمهِ وليس له شكلٌ في عِلْمهِ وليس له كَمِّيَّةٌ في عِلْمهِ ، عَلِمَ الله في الأزل أنَّ ذاتَه الأزليَّ مُنَزَّهٌ عن المكانِ والشَّكْلِ والكَمِّـيَّةِ .. ولا يجوزُ لأحد من الخَلْقِ أنْ يَدَّعِيَ أنَّ للهِ تعالى مكانًا معلومًا أو مجهولًا أو أَنَّ للهِ شكلًا معلومًا أو مجهولًا أو أَنَّ لله كَمِّـيَّةً معلومةً أو مجهولة ، بل نحن نجزِم بأنَّ الله كانَ مَوْجُودًا قبلَ أنْ يَخْلُقَ المكانَ بلا مكان ، وبأنَّه الآنَ ، بعد أَنْ خَلَقَ المكانَ ، لم يزلْ مَوْجُودًا كما كانَ بلا مكان " .

.

والله عَالِمٌ بكُل شيء ، لا يَغِيبُ عن عِلْمهِ شيء ، ولا يعلمُ اللهَ على الحقيقةِ إلَّا اللهُ . يعلمُ ما كانَ هو عليه قبلَ أنْ يَخْلُقَ المكانَ ، ويعلمُ ما هو الآنَ عليه بعد أنْ خَلَقَ المكانَ .

.

قال الإمامُ عليُّ بنُ أبي طالب :" إنَّ الله تعالى خَلَقَ العَرْشَ إظهارًا لقدرتهِ لا مكانًا لذاتهِ .. قد كانَ ولا مكان وهو الآنَ على ما كان " ، أي بلا مكان ..

رَوَى ذلكَ عنه الإمامُ الكبيرُ أبو منصور التميميُّ البغداديُّ عبدُ القاهرِ بنُ طاهرٍ في كتابهِ[(الفَرْقُ بينَ الفِرَقِ)/ص333]بالإسنادِ الصَّحِيحِ بعد أن نَقَلَ الإجماعَ على تنـزيهِ الله عن المكانِ والحَدِّ ..

.
وقال الإمامُ أبو حنيفةَ في رسالتهِ (الوصية) :" ونُقِرُّ بأنَّ الله على العرشِ استوَى مِنْ غيرِ أنْ يكونَ لهُ حاجةٌ إليهِ واستقرارٌ عليهِ . وهو حافظُ العرشِ وغيرِ العرشِ من غيرِ احتياجٍ . ولو كانَ م
Kembali Ke Atas Go down
Lihat profil user http://mubas.4rumer.com
Admin
Admin


Jumlah posting : 242
Join date : 16.08.10

PostSubyek: lanjutan    Tue Aug 24, 2010 3:59 am

ولو كانَ محتاجًا إلى الجلوسِ والقَرَارِ فقبلَ خلقِ العَرْشِ أينَ كانَ الله ، تعالى الله عن ذلكَ عُلُوًّا كبيرًا " ..
.
وأمَّا قولُ الله تعالى في سورةِ طه (( الرَّحْمٰنُ على العَرْشِ استوَى )) فمعناهُ أنَّ الله قَهَرَ العَرْشَ الذي هو سَقْفُ الجَنَّة .. ومن المعلوم الذي لا شَكَّ فيه أنَّ الله تعالى قاهـرٌ للعرشِ ولِمَا سِوَى العرش ، وإنَّما خَصَّهُ الله بالذِّكْرِ لأنَّه أعظمُ الأجرامِ حجمًا على الإطلاق .. قال الله تعالى (( وهو القاهرُ فوقَ عبادِه ))[الأنعام/18].. وقال أيضًا (( قلِ اللهُ خالقُ كُلِّ شيءٍ وهو الواحدُ القَهَّارُ ))[الرعد/16].

.

قال الإمامُ القُشَيرِيُّ في كتابه (التذكِرة الشَّرْقِيَّة) في تفسيرِ قول الله (( الرَّحْمٰنُ على العرشِ استوى )) :" قَهَرَ وحَفِظَ وأبقى " .

وقال اللُّغَوِيُّ المحدِّث مُرْتَضَى الزَّبيدِيُّ نَقْلًا عن الحافظِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيِّ :" الْمُقْدِمُ على تفسيرِ الاستواء بالاستيلاء لم يرتكبْ محذورًا ولا وَصَفَ اللهَ بما لا يجوزُ عليه " .. والاستيلاء هو القهر ..
.
أيُّها المسلمونَ المؤمنون ، إذا قال لكمُ الجاهلُ الغبيُّ :" لا أحدَ يَعْلَمُ مكانَ الله إلَّا الله " ،

فقولوا له : أنتَ كفرتَ ، وذلك لأنَّك شتمتَ الله ..

قولوا له : أنتَ شتمتَ الله لأنَّكَ نسبتَ إليه المكان . ويكفي في شتم الله أن يوصفَ بصفةٍ من صفاتِ البشر .. قال أبو جعفرٍ الطَّحَاوِيُّ في (العقيدةِ الطَّحَاوِيَّة) :" ومَنْ وَصَفَ الله بمعنًى من معاني البشر فقد كفر " .. معناهُ مَنْ وَصَفَ الله بصفةٍ من صفاتِ البشرِ فقد خرج من الإسلام ..

وبناءً عليه فإنَّ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ الله تعالى في مكانٍ يعلمُه أحدٌ منْ خَلْقِ الله فهو كافرٌ غيرُ مسلم . وكذلك مَنْ يَظُنُّ أنَّ الله تعالى في مكان لا يعلمُه أحدٌ من خَلْقِ الله فهو أيضًا كافرٌ غيرُ مسلم . نعم ، يكون كافرًا غيرَ مسلم حتَّى ولو كانَ جاهلًا بالعقيدةِ الصَّحِيحَةِ ويَظُنُّ نفسَه مسلمًا .. ومتى كان الجهلُ بالله حِصْنًا يَتَحَصَّنُ به الإنسان من الكفر ؟؟!! .

أجمعَ علماؤُنا وأَئِمَّتُنَا على أنَّه لا يُعْذَرُ أحدٌ في مُوجِـبَاتِ الكُفْرِ بالجهل . فكيفَ يَدَّعِي جاهلٌ كافر ، بعد كُلِّ ما تَقَدَّمَ ، أنَّ الله بذاتهِ في السماء ؟؟!! ..

ألم يعلمْ أنَّ رسولَ الله قال :" ما السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ مَعَ الكُرْسِيِّ ـ أي في جَنْبِ الكُرْسِيِّ ـ إلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بأرضٍ فَلاةٍ ، وفَضْلُ العَرْشِ على الكُرْسِيِّ كفضلِ الفَلاةِ على الحَلْقَةِ " ؟؟.. رَوَى هذا الحديثَ الإمامُ ابنُ حِبَّانَ في (صحيحهِ) وصَحَّحَهُ ..

فكيف يكونُ الله في ما يشبهُ الحَلْقَةَ الملقاةَ في صحراءَ واسعة !!..

الكُرْسِيُّ الذي ذَكَرَهُ الله في ءايةِ الكُرْسِيِّ هو جِرْمٌ كبيرٌ جدًّا خَلَقَهُ الله لحكمةٍ يعلمُها هو . الكُرْسِيُّ جسمٌ مَوْجُودٌ فوقَ السَّماواتِ السَّبْعِ وخارجَ الجَنَّة .

.

الجَنَّةُ التي يدخلُها المؤمنونَ يومَ القيامةِ فوقَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ . والكُرْسِيُّ خارجَ الجَنَّةِ . لكنْ هو تحتَ العَرْشِ الذي هو سَقْفُ الجَنَّة . الجَنَّة لها سَقْفٌ . وسَقْفُهَا عَرْشُ الرَّحْمٰنِ . سَقْفُ الجَنَّةِ يقالُ له عَرْشُ الرَّحْمٰنِ . أي عَرْشُ الله . وهذا شيءٌ ثابتٌ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم . والله لا يَسْكُنُ الكُرْسِيَّ ولا يَسْكُنُ العَرْشَ . ولا يَسْكُنُ السَّمَاوَاتِ التي تبدو أمامَ الكُرْسِيِّ كحَلْقَةٍ ملقاةٍ في صحراءَ واسعة . قال الله تعالى (( وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمٰواتِ والأرضَ ))[البقرة/255].

ولا يَسْكُنُ رَبُّنَا الكُرْسِيَّ الذي يبدو هو الآخَرُ ، أمامَ العَرْشِ ، كحَلْقَةٍ في صحراءَ واسعة ..

قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :" ما السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ مَعَ الكُرْسِيِّ ـ أي في جَنْبِ الكُرْسِيِّ ـ إلَّا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ بأرضٍ فَلاةٍ ، وفَضْلُ العَرْشِ على الكُرْسِيِّ كفَضْلِ الفَلاةِ على الحَلْقَة " .

.

الله تعالى لو كانَ حجمًا لكانَ له أمثال . والله لا مِثْلَ له . جهةُ فَوْقٍ مَسْكَنُ الملائكة . هذا العَرْشُ أحاطَ به ملائكةٌ لا يحصي عَدَدَهُمْ إلَّا اللهُ تعالى . وهم أكثرُ من ملائكةِ الأرضِ والسَّماواتِ السَّبْعِ . العَرْشُ جَعَلَهُ الله للملائكةِ كَعْـبَةً يطوفونَ به كما نحنُ نَطُوفُ بالكعبةِ التي في مَكَّةَ . العَرْشُ ليسَ مركزًا لله تعالى كما أنَّ الكَعْـبَةَ ليستْ مركزًا لله . العَرْشُ حَجْمٌ خَلَقَهُ الله تعالى ليكونَ كَعْـبَةً للملائكةِ الذينَ حَوْلَهُ ليطوفوا به . قال الله تعالى (( وتَرَى الملائكةَ حَافِّينَ من حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بحَمْدِ رَبِّهِمْ ))[الزُّمَر/75].

.

فمَنْ زَعَمَ أنَّ نبـيًّا من أنبياء الله تعالى كان يَظُنُّ أَنَّ رَبَّهُ يَسْكُنُ السَّمَاءَ فقد كَفَرَ بالله . وكذلك لو زَعَمَ أنَّ نبيًّا من أنبياء الله قال لرجلٍ أو امرأة :" أينَ مكانُ الله ؟ " فإنَّه ، ولا شَكَّ ، كافرٌ غيرُ مسلم ، لأنه نَسَبَ الكُفْرَ إلى نبيٍّ من أنبياء الله تعالى . وكيف يستقيمُ في العقلِ السليم أَنْ يَنْسُبَ نبيٌّ من أنبياء الله المكانَ إلى الله ، وما مِنْ نبيٍّ إلَّا وهو يعلمُ أَنَّ نسبةَ المكان إلى الله تعالى كُفْرٌ مُخْرِجٌ من الإسلام لا يَصِحُّ معه الإيمان . إنَّ نسبةَ المكان إلى الله تعالى خُرُوجٌ عن العقلِ وتَمَرُّدٌ على حُكْمهِ أي على حُكْمِ العقلِ . يجبُ علينا أَنْ نُسَلِّمَ للعقلِ حُكْمَهُ بأنَّ الله مَوْجُودٌ لا في مكانٍ ولا في جهة . لا يشبهُ العالمَ بوَجْهٍ من الوُجُوهِ

لا يَمَسُّهُ ولا يَعْلُو عليه بالمسافةِ ولا يحاذيهِ ولا يستقرُّ عليه


إنَّ ادِّعاءَ أَنَّ الله مُتَّصِلٌ بالعالمِ كُفْـرٌ صريح ، وادِّعاءَ أنَّ الله منفصلٌ عن العالم بالمسافة كُفْرٌ صريحٌ أيضًا . وذلك لأنَّ الاتِّصَالَ لا يُتَصَوَّرُ إلَّا من حجمَين متلاصقَين والانفصالَ لا يُتَصَوَّرُ إلَّا من حجمَين منفصلينِ بينهما مسافةٌ بعيدةٌ أو قريبة . والله ليس شيئًا محدودًا . أي ليسَ شيئًا له حَجْمٌ . ومَنْ وَصَفَ الله بصفةٍ من صفاتِ البشرِ فقد خَرَجَ من الإسلام . لأنَّ الذي يَزْعُمُ أنَّ الله في مكانٍ معلومٍ أو مجهولٍ فقد جَعَلَهُ مُتَحَيِّـزًا محصورًا ذا مقدارٍ تَحْوِيهِ الْجِهَاتُ السِّتُّ .

.

فمَنْ أراد أنْ يَحْزِرَ عقلَ صاحبه ويختبـرَ فَهْمَهُ فلا يَقُلْ له :" أينَ مكانُ الله ؟ " لِكَيْلا يقعَ السَّائِلُ في الكفر ، لأنَّ هذا السُّؤالَ يَتَضَمَّنُ إثباتَ المكان لله ، وكأنَّ السَّائِلَ يقول :" إنَّ للهِ مكانًا وأنا أسألكَ عنه فأجبني " ، هذا هو معنى كلام السَّائِلِ ، وهذا فسادٌ ظاهرٌ وكُفْرٌ صريح . ولكنْ ليطرحْ سُؤَالَهُ بطريقةٍ أخرى . فليقلْ له مثلًا :" ما جوابُ من يسألُ أينَ مكانُ الله ؟ " .

بهذه الطَّريقَةِ ينجو السَّائِلُ من الكفرِ بشرطِ أنْ يكونَ جازمًا في نفسهِ بأنَّ اللهَ مَوْجُودٌ بلا مكانٍ وبشرطِ أنْ لا يكونَ السَّائلُ يَعْلَمُ بأنَّ المسؤولَ سيردُّ بكلامٍ كُفْرِيٍّ .

.

ومن مُوجِـبَاتِ الكُفْرِ أيضًا إدِّعاءُ أنَّ الله يَتَكَلَّمُ بأحرفٍ أو أنَّ في كلامهِ الذاتيِّ تعاقـبًا أو أنَّه يشاءُ أمرًا لم يَكُنْ شائيًا له أو أنَّه ربَّما يغيِّر مشيئتَه أو أنَّه مُتَحَرِّكٌ أو أنَّه ساكنٌ أو أنَّه في جهةِ فوق أو في جهةِ تحت أو في جهةٍ من الْجِهَاتِ السِّتِّ أو أنَّه في جميعِ الْجِهَاتِ أو أنَّ الْجِهَاتِ السِّتَّ تَحْوِيهِ . والْجِهَاتُ السِّتُّ هي : فوق وتحت وأمام وخلف ويمين وشِمال .

.

ومن أسباب الكُفْرِ أيضًا إدِّعاءُ أنَّ الله تعالى محدودٌ أي مُقَدَّرٌ بمقدارٍ أو أنَّه ممتدٌّ أي منبسطٌ أو أنَّه ذو لَوْنٍ أو أنَّه شِفٌّ كالهواء والزُّجَاجِ والماء أو أنَّ كَمَالَهُ يزيدُ أو يَنْقُصُ أو أنَّه يَظْلِمُ أو أنَّه يتغيَّر أو يتأثَّر أو ينفعلُ أو يشتهي أو يَمَسُّ أو يُمَسُّ أو يُحِسُّ أو يُحَسُّ أو أنَّه لا يَعْلَمُ الأمورَ التي ستقعُ في المستقبلِ إلَّا بعد أنْ تحدُث . إنَّ جميعَ هذه الإدعاءات غيرُ صحيحة ، بل هي من مُوجِبَات الكُفْرِ التي تُخْرِجُ من الإسلام . فَمَنْ عَلِمَ من نفسهِ أنه كان يصفُ الله بصفةٍ من صفاتِ البشر فليعلمْ أنَّه كانَ كافرًا وأنَّ جهلَه بالعقيدةِ الصَّحِيحَةِ لم يَكُنْ عذرًا له حَمَاهُ من الوقوعِ في الكفرِ بل هو كافرٌ غيرُ مسلم وكافرٌ مَنْ لم يعتبرْه كافرًا . وذلكَ لأنَّ علماءَ أُمَّتِنَا أجمعوا على أنَّه لا يُعْذَرُ أحدٌ في مُوجِـبَاتِ الكفرِ بالجهل . إذ إنَّه من المعلوم القَطْعِيِّ أنَّ الإنسانَ لا يكونُ مسلمًا لمجرَّد ظنِّه بنفسه أنَّه مسلم ، بل لا بُدَّ له من شروط ، أهمُّها أنْ يَخْلُوَ قلـبُه مِنْ كُلِّ اعتقادٍ فيه نسبةُ النَّقْصِ إليه ، سبحانَه وتعالى ، ومن كُلِّ اعتقادٍ كُفْرِيٍّ ءاخَر . إذ إنَّ نسبةَ الجهةِ أو المكانِ إلى الله تعالى تنقيصٌ لله وتشبيهٌ له بخَلْقهِ . فالجاهلُ الذي يَزْعُمُ أنَّه يعبُد الله وهو يَظُنُّ أنَّ الله في جهةٍ من الْجِهَاتِ السِّتِّ أو أنَّ الْجِهَاتِ السِّتَّ تحيطُ بهِ أو أنَّه في مكانٍ معلومٍ أو مجهول ، هذا لا يقالُ إنَّه يعبُد الله ، إذ لو كان يعبُد الله حقًّا لَنَزَّهَهُ عن الجهةِ والمكان .

مَثَلُـهُ كَمَثَلِ مَنْ يقول :" أنا أعبُد اللهَ خالقَ هذا العالم " وإذا قيلَ له صِفْ لنا رَبَّكَ الذي تعبُده يقول :" رَبِّي ضوء "… أو يقول :" رَبِّي روح "… أو يقول :" رَبِّي قُوَّة "… ، فهذا أَقَلُّ ما يقالُ فيه إنَّه عابدُ ضوء أو رُوحٍ أو قُوَّة .. أَلَمْ يَدْرِ هذا الجاهلُ الكافرُ بأنَّ الله ذاتٌ موصوفٌ بصفاتٍ تَدُلُّ كلُّها على الكمال كالقوَّة والعِلْمِ والوَحْدَانِيَّةِ والمخالفةِ للحوادث ، مُنَزَّهٌ عن الصِّفاتِ التي لا تَلِيقُ به كالضَّعْفِ والعَجْزِ والجهلِ والعَمَى والمشابهة ..
ليس الله عَرَضًا يقوم بغيره ، بلِ اللهُ قائمٌ بذاته . فلا يَصِحُّ أنْ يقالَ إنَّ الله سَمْعٌ ، بل يقالُ هو ذاتٌ مَوْصُوفٌ بصفةِ السَّمْعِ . ولا يَصِحُّ أنْ يقالَ إنَّ الله بَصَرٌ ، بل يقالُ هو ذاتٌ مَوْصُوفٌ بصفةِ البَصَرِ . ولا يَصِحُّ أنْ يقالَ إنَّ الله كلامٌ ، بل يقالُ هو ذاتٌ مَوْصُوفٌ بصفةِ الكلام . ولا يَصِحُّ أنْ يقالَ إنَّ الله حياةٌ ، بل يقال هو ذاتٌ مَوْصُوفٌ بصفةِ الحياة . ولا يَصِحُّ أنْ يقالَ إنَّ الله قُوَّةٌ ، بل يقالُ هو ذاتٌ مَوْصُوفٌ بصفةِ القُوَّةِ كما وَصَفَ هو نفسَه . قال الله تعالى (( إنَّ الله هو الرَّزَّاقُ ذو القُوَّةِ المتين ))[الذَّاريات/58].
ولا يَصِحُّ في العقلِ أنْ يكونَ ذاتُ الله جسمًا ، لأنَّ الجسمَ هو الذي يَصِحُّ في العقلِ أَنْ ينقسمَ لتَأَلُّفهِ وتَرَكُّبهِ من جوهرينِ فأكثر .. والله ليسَ كذلك ..

قال الله تعالى (( فلا تَضْرِبوا لله الأمثال ))[النحل/74].

وقال الله تعالى (( لقد كَفَرَ الذينَ قالوا إنَّ اللـهَ ثالثُ ثلاثة ))[المائدَة/73].

بلِ اللهُ واحدٌ لا منْ طريقِ العدد . وليس الله جوهرًا ، لأنَّ الجوهرَ تَجِبُ له الكَمِّـيَّةُ ، والله مُنَزَّهٌ عن أن يكونَ له كَمِّـيَّةٌ . أي لا يَصِحُّ في العقلِ أنْ يَكُونَ لله مقدارٌ كبيرٌ من الحجم أو مقدارٌ صغيرٌ من الحجم . ولا يَصِحُّ في العقلِ أن يَتَّصِفَ رَبُّنا بصفاتِ الجواهرِ والأجسام ، فلا يَتَّصِفُ بالحركةِ والسُّكُونِ والشَّكْلِ والهيئةِ والكَمِّـيَّة . لا يَمَسُّ ولا يُمَسُّ ، وليسَ بينه وبينَ خَلْقهِ مسافة .

نقلَ الإمامُ مُرْتَضَى الزَّبيدِيُّ في كتابه[(إتحافُ السَّادَةِ المتَّقين في شرحِ إحياءِ علومِ الدِّين)/ج4/ص380]عن الإمام عليِّ بنِ الحسينِ زَيْنِ العابدينَ أنه قال :" سبحانَك لا تُحَسُّ ولا تُمَسُّ ولا تُجَسُّ " .

.

وقال الإمامُ أبو سليمانَ الخَطَّابِيُّ شيخُ البَيْهَقِيِّ :" إنَّ الذي يجبُ علينا وعلى كُلِّ مسلمٍ أنْ يَعْلَمَهُ أنَّ ربَّنا ليسَ بذي صُورَة ولا هيئةٍ ، فإنَّ الصُّورَةَ تقتضي الكَيْفِيَّةَ وهي عن الله وعن صفاتهِ منفيَّة " .. رَوَاهُ عنه البَيْهَقِيُّ في كتابهِ (الأسماءُ والصِّفات) ..

.

وقال الإمامُ عليُّ بنُ أبي طالب :" إنَّ الذي كَيَّفَ الكَيْفَ لا كَيْفَ له وإنَّ الذي أَيَّنَ الأَيْنَ لا أَيْنَ له " .

.

ونقل الحافظُ أبو بكرٍ الخطيبُ البَغْدَادِيُّ في (تاريخِ بغداد) بإسنادٍ مُتَّصِلٍ إلى ذي النُّونِ المِصْرِيِّ قولَه :" مهما تَصَوَّرْتَ ببالك فالله بخلافِ ذلك " .. أي لا يشبهُ ذلك .. ورَوَى ذلكَ أيضًا أبو الفضلِ عبدُ الواحدِ بنُ عبدِ الغنيِّ التميميُّ عن الإمامِ أحمدَ بنِ حنبل .. وكان ذو النُّونِ المِصْرِيُّ والإمامُ أحمدُ بنُ حنبلٍ مُتَعَاصِرَيْنِ .. وذو النُّونِ المِصْرِيُّ هذا ، اسمهُ ثوبانُ بنُ إبراهيمَ ، وهو من الصُّوفِيَّةِ الصَّادِقِينَ الأكابرِ الذينَ أفاضَ اللهُ على قلوبهم جواهرَ الحِكَمِ ، وكان مُعَاصِرًا للإمام مالكِ بنِ أنسٍ وتلقَّى العلمَ منه .

.

فَمِنَ الكُفْرِ المنافي للإسلامِ نسبةُ المكانِ أو الجهةِ أو الحَدِّ أو الشَّكْلِ إلى الله تعالى أو اعتقادُ الحُدُوثِ في الله . وما دامَ في قلب العبدِ هذا الاعتقادُ الكُفْرِيُّ فالشَّهادَتانِ لا تنفعانهِ ولو تلفَّظ بهما ءالافَ المَرَّات . وليسَ جهلُ هذا الجاهلِ بربِّه عُذْرًا له يمنعُنا من الحُكْمِ عليه بالكفر .. جهلُه بدينِ الإسلام وبعقيدةِ التنـزيهِ ليسَ عُذْرًا له يمنعُنا من الحُكْمِ عليه بالكفر . بل هو غيرُ مسلم ، هو كافرٌ غيرُ مؤمن ، ولو كان جاهلًا بعقيدةِ التنـزيه ، حتَّى ولو كان جاهلًا بأنَّه كافر . ومن المعلومِ القطعيِّ أنَّ الإنسانَ لا يكونُ مسلمًا لمجرَّد ظنِّه بنفسه أنه مسلم ، بل لا بُدَّ له من شروط ، أهمُّها أنْ يَخْلُوَ قَلْـبُهُ مِنْ كُلِّ اعتقادٍ فيه نسبةُ النقصِ إلى الله ومنْ كُلِّ اعتقادٍ كُفْرِيٍّ ءاخَر .

.

الكافرُ يجبُ عليه أَنْ يتراجعَ عن الكُفْرِ الذي وَقَعَ فيه جازِمًا بأنَّه كُفْـرٌ . إذِ الشَّكُّ في كُفْرِ الذي يَظُنُّ أنَّ الله كانَ بعدَ أنْ لم يَكُنْ أو في كُفْرِ مَنْ يَنْسُبُ إلى الله المكانَ أو الجهةَ أو الحدَّ أو الشَّكْلَ هو كُفْرٌ أيضًا لا يَصِحُّ معه الإسلام . يجبُ عليه أَنْ يُطَهِّرَ قلبَه من كُلِّ اعتقادٍ كُفْرِيٍّ . يجبُ عليه أَنْ يَدْخُلَ في الإسلام فورًا .

يقولُ الله تعالى في سورةِ ءالِ عِمْرَانَ (( ومنْ يَبْتَغِ غيرَ الإسلامِ دينًا فلنْ يُقْبَلَ منه وهو في الآخرةِ من الخاسرين )) ..

وقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم :" أُمِرْتُ أَنْ أقاتلَ النَّاسَ حَتَّى يشهدوا أَنْ لا إله إلَّا الله وأني رسولُ الله " .. وهو حديثٌ متواتر ..

معناهُ : الإسلامُ لا يُقْبَلُ من العبدِ الذي في قلبه اعتقادٌ كُفْرِيٌّ حَتَّى يَنْطِقَ بالشَّهَادَتَيْنِ باللَّفْظِ الصَّحِيحِ وقد تراجعَ عن كُفْرِه الذي وَقَعَ فيه وطَهَّرَ قلبَه من كُلِّ اعتقادٍ فيه نسبةُ النَّقْصِ إلى الله ومن كُلِّ اعتقادٍ كُفْرِيٍّ ءاخَر . يجبُ عليه أنْ يَنْطِقَ بالشَّهَادَتَيْنِ فورًا حتَّى يصيرَ عندَ الله مسلمًا مؤمنًا . يقول :" لا إله إلَّا الله محمَّد رسولُ الله " .. وإنْ شاء قال :" أَشْهَدُ أَنْ لا إله إلَّا الله وأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رسولُ الله " .. يجبُ عليه أَنْ يُراعِيَ اللَّفْظَ الصَّحِيحَ .. ولا يَقُلْ قبلَ أَنْ يأتيَ بالشَّهَادَتَيْنِ أَسْتَغْفِرُ الله .

كثيـرٌ من الجُهَّالِ يَظُنُّونَ أَنَّ الخُرُوجَ من الكُفْرِ يَكُونُ بكلمةِ أَسْتَغْفِرُ الله . وهذا كُفْرٌ . أجمعُ العلماءُ على أَنَّ الكافرَ لا يخرجُ من كُفْرِه إلَّا بالشَّهَادَتَيْنِ وأَنَّ الاستغفارَ بقول أَسْتَغْفِرُ اللهَ قبلَ الشَّهَادَتَيْنِ لا يَزِيدُ الكافرَ إلَّا كُفْرًا . وذلكَ لأنَّ كلمةَ أَسْتَغْفِرُ الله تزيدُ الكافرَ كُفْرًا . إنَّ هذا الذي يَكْـفُرُ ثمَّ يقولُ أَسْتَغْفِرُ اللهَ كأنَّه يقول : أنا أَطْلُبُ من الله شيئًا ذَكَرَ في القرءانِ أنَّه لا يفعلُه .. هذا معناه ..

يقولُ الله تعالى في سورةِ النِّساء (( إنَّ الذينَ كفروا وظَلَمُوا لم يَكُنِ الله ليَغْفِرَ لهمْ ولا لِيَهْدِيَهُمْ طريقًا . إلَّا طريقَ جَهَنَّمَ خالدينَ فيها أبدًا وكانَ ذلكَ على الله يسيرًا )) .. معناهُ إنَّ الذينَ كفروا بالله وظلموا بإنكارِهم نُبُوَّةَ محمَّد لم يَكُنِ الله ليَغْفِرَ لهم كُفْرَهُمْ ومعاصيَهم ما داموا مُصِرِّينَ على كفرِهم بتمنُّعهم عن النُّطْقِ بالشَّهَادَتَيْنِ .

فقولُ الله تعالى (( لم يَكُنِ الله ليَغْفِرَ لهم )) معناهُ لا يَغْفِرُ اللهُ لهؤلاء لا قبلَ موتِهم ولا بعدَ موتِهم . وذلكَ لأنهم أصرُّوا على كفرِهم بتمنُّعهم عن النُّطْقِ بالشَّهَادَتَيْنِ . لا يَغْفِرُ الله لهؤلاء كُفْرَهُمْ وذنوبهم لا قبلَ موتهم ولا بعدَ موتهم . وهذا التفسيرُ للآيةِ مفهومٌ من صريحِ قول الله تعالى بأنَّ مأواهُم جَهَنَّمُ خالدينَ فيها أبدًا . لكنْ بعدَما يدخلُ الكافرُ في الإسلام بالنُّطْقِ بالشَّهَادَتَيْن يُسْتَحَبُّ له أنْ يُكْثِرَ من قول أَسْتَغْفِرُ الله . . لذلكَ يجبُ نهيُ هؤلاء الجهلةِ الذينَ يَتَكَلَّمُونَ بالكُفْرِ ثمَّ يقولونَ أَسْتَغْفِرُ الله أسْتَغْفِرُ الله بَدَلَ أنْ يسارعوا إلى الشَّهَادَتَيْنِ ..

.
فالحاصلُ أنَّ الاستغفارَ قد يأتي بمعنى طلب مَحْوِ الكُفْرِ والمعاصي بالإسلام .. وهذا معنى قول نوحٍ ، عليه السَّلام ، لقومِه الكُفَّارِ (( استغفِروا رَبَّكُمْ )) .. معناهُ ادخلوا في الإسلام .. وليسَ معناهُ قولوا أسْتَغْفِرُ الله .. وذلكَ لأنَّ كلمةَ أَسْتَغْفِرُ اللهَ تزيدُ الكافرَ كُفْرًا كما بَيَّـنَّا .. فقولُ نوحٍ ، عليه السَّلام ، لقومهِ الكُفَّارِ(( استغفِروا رَبَّكُمْ )) معناهُ ادخلوا في الإسلامِ بقولِ لا إله إلَّا الله نوحٌ رسولُ الله . وليسَ معناهُ قولوا أَسْتَغْفِرُ الله قبلَ أنْ تَنْطِقُوا بالشَّهَادَتَيْنِ . ومن المعلوم أنَّ الإسلام يَجُبُّ ما قبلَه أيْ يمحو ما قبلَه ..
يقولُ الله تعالى في سورة الأنفال (( قُلْ للَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قد سَلَفَ )) .. معناهُ : إنَّ الكُفَّارَ الأصليِّين إذا انْتَهَوْا عن الكُفْرِ أيْ تَرَكُوهُ بدُخُولِهِمْ في الإسلامِ فإنَّ الله يَغْفِرُ لهم ما كانَ منهم من كُفْرٍ ومعاصٍ ..

وقال رسولُه الكريم :" إنَّ الإسلامَ يَجُبُّ ما كانَ قبلَه " .. رواه الإمامُ أحمد وغيرُه .. وعلى هذا المعنى يُحْمَلُ حديثُ رسول الله الذي رواه البُخَارِيُّ ومسلم :" اللَّهُمَّ اغْفِرْ لقومي فإنَّهم لا يَعْلَمُون " . أيْ أَدْخِلْهُمْ يا رَبِّ في الإسلامِ حتَّى يَكُونَ هذا سَبَبًا لمغفرةِ كُفْرِهِمْ وذنوبِهم ..

.

ثمَّ إنَّ مَنْ حَصَلَ منه كُفْـرٌ وَجَبَ عليه أنْ يتشهَّد فورًا من غيرِ تأخيرٍ ومن غير تقديمِ كلمةٍ على كلمة التوحيد . ولا يَقُلْ نويتُ التَّشَهُّدَ لله تعالى . لا يُؤَخِّرْ تَشَهُّدَهُ بالْمَرَّة . لِيَتَشَهَّدْ فورًا للدُّخُولِ في الإسلام ..

.

أيُّها النَّاس ، إنَّ الله فَرَضَ علينا أَنْ نَتَعَلَّمَ هذه العقيدة ، عقيدةَ التنـزيه ، وأَنْ نُعَلِّمَهَا ، وذلك لأنَّ الذي يُهْمِلُ تَعَلُّمَهَا ربَّما تخطرُ له خواطرُ التشبيهِ فيعتقدُها فيقعُ في التشبيهِ ويكونُ كافرًا من حيث لا يدري . وما نَفْعُ صلاتهِ وصيامهِ إذًا ؟!!!.

ولقد ثَبَتَ عن سَيِّدِنا رسولِ الله أنه قال :" رُبَّ صائمٍ حَظُّهُ من صيامهِ الجوعُ والعَطَشُ ورُبَّ قائمٍ حَظُّهُ من قيامهِ السَّهَرُ " .. رواهُ الإمامُ أحمدُ في (مسندِه) وابنُ خُزَيْمَةَ في (صحيحهِ) وأبو يَعْلَى في (مسندِه) ..

وقال الإمامُ الغزاليُّ :" لا تَصِحُّ العبادةُ إلَّا بعدَ معرفةِ المعبود " . رَوَى هذا القولَ عنه الإمامُ الكبيرُ أبو منصورٍ عبدُ القاهرِ البَغْدَادِيُّ في كتابهِ (تفسيرُ الأسماء والصِّفات) .

هذه هي العقيدةُ التي كان عليها جميعُ رُسُلِ الله إلى أهلِ الأرضِ منْ لَدُنْ ءادمَ إلى مُحَمَّدٍ صلَّى الله عليه وعلى جميعِ إخوانهِ الأنبياءِ وسلَّم
Kembali Ke Atas Go down
Lihat profil user http://mubas.4rumer.com
 

بيانُ أنَّ الله مُنَزَّهٌ عن الحَدِّ والتَّحَيُّزِ والمشابهة

Topik sebelumnya Topik selanjutnya Kembali Ke Atas 
Halaman 1 dari 1

Permissions in this forum:Anda tidak dapat menjawab topik
FORUM ASWAJA :: AQIDAH ASWAJA :: TAUHID ASWAJA-